حسن الأمين
38
مستدركات أعيان الشيعة
تغير جعفر قلي خان قاجار بعد عودة آقا محمد خان « إلى طهران ساوره أول مرة سوء الظن بأخيه » جعفر قلي خان « . وكان هذا ، من بين أبناء » محمد حسن خان أشاقة باش « ، أجملهم وأهيبهم منظرا . وكان محاربا شجاعا . فهو في نظر من يراه المناسب لمنصب الملك لا أخوه الخصي . وكان من حوله من رجال حاشيته يلقون في سمعه مثل هذا الكلام . حتى استقر في نفسه شيئا فشيئا أن يطلب الملك لنفسه ، وعزم على تهيئة خطة تمكنه من تنحية أخيه من عرش الملك . ومن ذلك أنه واطا في سنة 1201 هعلى ذلك جماعة من رؤساء القبائل الخراسانية وجماعة من رؤساء القبائل الجيلانية ولكن « آقا محمد خان » كان من دقة التدبير وإتقان العمل بحيث لم يلبث أن عرف بالمؤامرة فور وقوعها . فبث العيون والجواسيس يراقبون « جعفر قلي خان » لا يغفلون عنه ليل نهار وهو لا يدري . وما بين سنة 1201 وسنة 1205 هكان « آقا محمد خان » يعزم مرارا على قتله ثم يبدو له أن يؤجله . الأمير الزندي الشجاع الوسيم في تلك السنة ، إذ ساء ظن « آقا محمد خان » بأخيه « جعفر قلي خان » ، سمع « آقا محمد خان قاجار » باسم « لطف علي خان زند » أول مرة . كان هذا ابن « جعفر خان زند » . وفي تلك السنة عهد إليه أبوه بقيادة جيش من جيوشه . كان « لطف علي خان زند » أجمل شبان شيراز ، على كثرة من فيها من الشبان الوسام . وكان لا ينفك يزداد جمالا يوما فيوما . يقول العقيد « غولدا سميث » الانكليزي : « لم ير في إيران ، من بدء عهد الصفويين إلى ذلك اليوم ، أمير له وسامة لطف علي خان زند » . ويوم سمع « آقا محمد خان قاجار » باسم « لطف علي خان زند » أول مرة لم يحدس في سوف يوقعه به هذا الشاب الشجاع الوسيم من الدواهي والمعضلات في المستقبل . كان « لطف علي خان زند » من أمراء الشرق الأبطال . ولكن مؤرخي العهد القاجاري الإيرانيين كتموا أخباره وعجائب بطولته . وسكتوا عن الفظائع التي أوقعها به « آقا محمد خان » بعد اعتقاله إياه ، لئلا يغضبوا القاجاريين المالكين . ومراجعة المصادر الغربية التي كتبها الكتاب والسواح الأوروبيون في تاريخ « لطف علي خان زند » أنفع في كسب المعلومات عنه من المصادر الإيرانية . إن الوقائع الخارقة من بطولة هذا الشاب الوسيم الشجاع تجعله شبيها بابطال الأساطير الذين كان أحدهم إذا أصبح وحيدا في ميدان الحرب ، وجيش عدوه ينيف على الألف ، بادر إلى الحملة عليه ، فشق صفه وخرج من بينهم سالما . هذه الصورة تروى أسطورة . ولكن « لطف علي خان زند » حققها بالفعل والواقع لا مرة واحدة بل مرارا . كان « آقا محمد خان » عازما على فتح شيراز والقضاء على ملك الزنديين . وظل مقيما في طهران ثلاثة عشر يوما بعد عيد « النيروز » ، وهو أول السنة الإيرانية الشمسية . ويومئذ سار من طهران قاصدا أصفهان فوصلها في آخر شهر شعبان سنة 1202 ه . ثم انهمك في تقوية عسكره وتجهيزه ثم سار قاصدا شيراز لفتحها وإخضاع إقليم فارس لملكه . ولما وصل إلى شيراز ضرب عليها حصارا ، وكان « جعفر خان زند » فيها . إلا أن ابنه « لطف علي خان » اختار نخبة من الجنود وأخذ يغير بهم على العسكر المحاصر ممارسا الحرب المعروفة اليوم بحرب العصابات ، فيقتل وينهب ثم يتوارى . وكان يقوم باغارته أحيانا في النهار وأحيانا في الليل . وقد أتعبت كراته هذه « آقا محمد خان » كثيرا . واضطرته الغارات الليلية إلى مضاعفة حرسه الساهر . وكان رجال عصابة « لطف علي خان زند » في غاراتهم الليلية يتنادون ويتفاهمون بتقليد أصوات الحيوانات كبنات آوى والضباع والبوم على نحو متفق عليه فيما بينهم . وسماع أصوات هذه الحيوانات مستمرة طول الليل كان مألوفا في تلك النواحي . فلم يفطن جند « آقا محمد خان » أول الأمر إلى خدعة العصابة الزندية . وفي أول غارة قاموا بها وهم يقلدون هذه الأصوات باغتوا العدو على حين غفلة فقتلوا سبعين وجرحوا مائتين من جنوده . وغنموا مقدارا من الأسلحة . وبات جنود « آقا محمد خان » . يهبون فزعين ويأخذون سلاحهم متأهبين كلما سمعوا تلك الأصوات ولو كانت أصواتا لحيوانات حقيقية . وتتابعت غارات العصابة لا تنقطع . وفي كل غارة قتل وجرح ونهب يوقعونه في جيش « آقا محمد خان » . وفي إحدى الغارات الليلية استطاع الأمير الزندي الشاب أن يغنم من معسكر « آقا محمد خان » مدفعين من نوع المدافع الصغيرة . ولما بلغ الخبر إلى « آقا محمد خان » سال : من الذين كان المدفعان في عهدتهم ؟ فقيل له : كانا في عهدة جنديين وقد قتلا : فقال : لو لم يقتلا لأمرت أنا بقتلهما ! وكان « لطف علي خان زند » يستدرج متعقبيه حين فراره بعد الإغارة ، إلى أماكن سبق أن نصب فيها فخاخا مما يستعمل في صيد الوحوش أو حفر فيها حفرا عميقة وستر أعلاها حتى ساوي وجه الأرض لا يبين ، فإذا وصلوا إليها أطبقت الفخاخ على أرجلهم فكسرتها أو بترتها ، وسقطوا في الحفر فمنهم جريح ومنهم قتيل . وكان « لطف علي خان زند » لا ينفك يترصد جند « آقا محمد خان » حتى إذا استفرد أحدا منهم انقض عليه فاختطفه واستطلعه عن أوضاع جيش « آقا محمد خان » بالتفصيل . ولذلك كان دائم الاطلاع على أحوال جيش العدو . وطالت حرب العصابات التي شنها « لطف علي خان زند » على « آقا محمد خان » وكثرت بلاياها عليه حتى ضاق به ذرعا . وزاد في متاعبه وضيقه شدة ، حادثة مهمة أخرى ، هي وصول خبر إليه بخروج أخيه « مصطفى قلي خان » عليه في إقليم « طالش » . ( 1 ) فعزم على فك الحصار عن شيراز والانصراف عنها .
--> ( 1 ) إقليم في شمالي إيران جنوبي بحر قزوين . وهو اليوم تابع ما كان يسمى بالاتحاد السوفياتي .